وثيقة 2013 تعود للواجهة: جدل واسع حول مستقبل المناهج التعليمية في السودان

الكاتب: Mai FATH AL-RAHMAN
نبذة عن المقال: عودة وثيقة 2013 للمناهج الدراسية تُشعل جدلاً واسعاً في السودان. تساؤلات حول شرعية التعديل، ودور الحرب،وموقف التربويين ولجنة المعلمين من مستقبل التعليم



المصدر: أخبار السودان

وثيقة 2013 تعود إلى الواجهة… هل تُعاد صياغة التعليم في السودان تحت ضغط الحرب؟

في لحظة تتشابك فيها أزمات الدولة السودانية مع مستقبل التعليم، فجّر إعلان تشكيل لجنة لمراجعة المناهج الدراسية، والعودة إلى وثيقة 2013، جدلاً واسعاً تجاوز حدود القرار الإداري، ليصل إلى أسئلة عميقة تتعلق بالهوية، والسلطة، ودور التعليم في تشكيل الوعي الجمعي.

وفي بلد أنهكته الحرب، وتضررت فيه المدارس، وتوقفت فيه العملية التعليمية في مناطق واسعة، عاد ملف المناهج إلى الواجهة باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية، وسط تساؤلات جوهرية حول طبيعة الإصلاح المطروح.

هل كانت المناهج مجرد انعكاس للأزمة، أم أحد أسبابها؟ وهل ما يُطرح اليوم كتطوير هو بالفعل إصلاح حقيقي، أم إعادة إنتاج لرؤية قديمة ساهمت في الوصول إلى هذا الواقع المنهار؟


لجنة تحت المجهر

منذ الإعلان عن تشكيل لجنة مراجعة المناهج، لم تمر الخطوة بهدوء. فسرعان ما ظهرت تساؤلات حول طبيعة اللجنة ومدى استقلاليتها، خاصة بعد تداول أسماء ارتبطت بشكل مباشر بإعداد وثيقة 2013، أو شغلت مناصب قيادية في المركز القومي للمناهج خلال فترة حكم النظام السابق.

ويرى تربويون أن الإشكال لا يقتصر على الأسماء، بل يتجاوزها إلى السياق السياسي العام، حيث يجري الحديث عن تطوير المناهج في ظل حرب، وانقسام مؤسسي، وغياب تفويض شعبي أو توافق وطني.


وثيقة من زمن مختلف

تعود وثيقة 2013 إلى مرحلة سياسية مغايرة تماماً للواقع الحالي. وتشير الوثائق الرسمية الصادرة عقب المؤتمر القومي للتعليم عام 2012 إلى أن تلك الوثيقة جاءت امتداداً لسياسات تعليمية صيغت في ظل دولة الحزب الواحد.

وقد ركزت الوثيقة على مفاهيم مثل “بناء الإنسان الرسالي” و”المرجعية الحضارية”، دون تقديم تعريف جامع يستوعب التنوع السوداني، ما فتح المجال لتأويلات أيديولوجية انعكست لاحقاً على محتوى المناهج.


لغة تلقينية لا تحليلية

تكشف مراجعة الكتب الدراسية التي أُعدّت استناداً إلى وثيقة 2013 عن سيطرة واضحة للغة التوجيه والتلقين، مقابل غياب التفكير النقدي والتحليل المتعدد الزوايا.

وتشير دراسات تربوية سودانية نُشرت بين عامي 2016 و2019 إلى أن أسئلة التقويم ركزت على الحفظ والاسترجاع بدلاً من الفهم والمقارنة، وهو ما يصنفه خبراء التربية ضمن نماذج التعليم المؤدلج.


عقل تعليمي مُقيّد

على أرض الواقع، انعكست هذه الفلسفة على البيئة الصفية، حيث تحوّل المعلم إلى ناقل للمعلومة، والطالب إلى متلقٍ سلبي.

وتشير تقارير دولية، من بينها تقرير اليونسكو عن التعليم في السودان لعام 2021، إلى تراجع مهارات التفكير العليا لدى الطلاب، وارتفاع معدلات التسرب، وضعف القدرة على حل المشكلات.


تعدد ثقافي غائب

من أبرز الانتقادات الموجهة لوثيقة 2013 تعاملها المحدود مع التعدد الثقافي واللغوي في السودان. فعلى الرغم من الإقرار النظري بالتنوع، إلا أن المحتوى الدراسي نادراً ما يعكسه فعلياً.

وتُظهر مراجعة كتب التاريخ والجغرافيا تركيزاً مكثفاً على المركز، مقابل حضور هامشي لمناطق دارفور والشرق وجبال النوبة والنيل الأزرق.


إقصاء صامت

يصف مختصون هذا النهج بـ”الإقصاء الناعم”، حيث يتم تجاهل ثقافات بعينها دون التصريح برفضها، ما يولّد شعوراً بالاغتراب داخل المدرسة ويُراكم الإحساس بالتهميش.

وقد ربطت دراسات اجتماعية هذا الإقصاء بارتفاع النزعات الاحتجاجية والعنف وسط الشباب.


جدل الشرعية

في ظل هذه الأوضاع، يبرز سؤال أساسي: من يملك حق إعادة صياغة المناهج في لحظة انهيار وطني؟

ويرى تربويون أن أي تطوير لا يستند إلى مؤتمر قومي شامل يشارك فيه المعلمون والأكاديميون والمجتمع يفتقر إلى الحد الأدنى من المشروعية الأخلاقية والسياسية.


موقف لجنة المعلمين

أثار اعتماد وثيقة 2013 مجدداً ردود فعل غاضبة، حيث اتهمت لجنة المعلمين السودانيين الجهات المعنية بتشكيل لجنة تفتقر إلى الحياد وتضم عناصر مرتبطة بالنظام السابق.

وأكدت اللجنة أن السودان يعيش أكبر كارثة تعليمية في تاريخه الحديث، وأن أي تغييرات جذرية دون توافق وطني أمر غير مقبول.


رفض العودة إلى الوراء

شددت لجنة المعلمين على رفضها لما وصفته بـ”مناهج الإقصاء”، مؤكدة أن وثيقة 2013 جزء من الأزمة وليست حلاً لها.

ودعت إلى مشروع وطني شامل لبناء منهج حديث يحترم التنوع، ويعزز التفكير النقدي، ويربط التعليم بالتنمية المستدامة.


الدفاع الرسمي

في المقابل، أكد مدير المركز القومي للمناهج أن الوثيقة معتمدة ومنشورة، وأن المناهج الحالية قائمة عليها، ولن تُغيّر إلا عبر مؤتمر قومي مماثل.

وشدد على أن الوثيقة عمل مهني علمي لا علاقة له بالسياسة، وتعتمد معايير التعليم الحديث والتعلم النشط.

التصنيفات

قد تُعجبك هذه المشاركات

6531248387752072031

البحث