صراع امتحانات الشهادة الثانوية السودانية.. هل يتحول التعليم إلى ساحة تقسيم جديدة؟
في ظل واقع مرير تفرضه الحرب المستعرة في السودان، برزت مؤخراً أزمة جديدة تهدد ما تبقى من رموز الوحدة الوطنية: امتحانات الشهادة الثانوية السودانية. لم يعد الامتحان مجرد محطة أكاديمية، بل تحول إلى ملف شائك يثير تساؤلات وجودية حول وحدة الدولة ومستقبل جيل كامل بات عالقاً بين سندان الصراع السياسي ومطرقة الانقسام الإداري.
نيالا وبورتسودان.. صراع الشرعية عبر بوابة التعليم
بدأت الأزمة تأخذ منحىً تصعيدياً عقب إعلان حكومة تحالف "تأسيس" في نيالا (جنوب دارفور) تشكيل لجنة عليا لتنظيم امتحانات الشهادة الثانوية. هذه الخطوة، التي وصفها رئيس اللجنة الفنية حافظ أحمد عمر بأنها "استعداد لتمكين الطلاب من الجلوس للامتحانات"، اعتُبرت من قبل مراقبين بمثابة إعلان "واقع تعليمي منقسم".
في المقابل، تتمسك وزارة التربية والتعليم في بورتسودان بحقها الحصري في إدارة العملية التعليمية وقومية الشهادة السودانية. هذا التجاذب وضع الطلاب وأسرهم في حيرة من أمرهم؛ فأي شهادة سيحملون؟ ومن سيعترف بها محلياً ودولياً؟
تحذيرات من "الانفصال الفعلي" للدولة
حذرت لجنة المعلمين السودانيين بشدة من تعدد مراكز القرار في ملف الشهادة الثانوية، معتبرة أن الامتحان القومي يمثل "الرابط الوطني" الأقوى. وحددت اللجنة أبرز المخاطر في النقاط التالية:
- تفكك القرار التعليمي: تحول التعليم إلى أداة لإضفاء الشرعية لسلطات الأمر الواقع.
- خطر عدم الاعتراف: أي شهادة تصدر خارج إطار القياس والتقويم القومي الموحد قد لا تحظى باعتراف الجامعات السودانية أو المؤسسات الدولية.
- التسرب المدرسي: حرمان الطلاب من الجلوس للامتحانات لثلاث سنوات متتالية يرفع معدلات التسرب وزواج القاصرات.
رأي الخبراء: "مستقبل الطلاب رهينة سياسية"
يذهب الخبير التربوي الدكتور شمس الدين ضو البيت إلى أن ما يحدث هو "انفجار" في الأزمة الإنسانية التعليمية، مشيراً إلى أن مستقبل الطلاب أصبح معلقاً بقرارات سياسية لا يملكون فيها صوتاً.
من جانبه، أكد الخبير التربوي الدكتور صلاح الدين موسى الخالدي أن عقد امتحانات في مناطق خارج السيطرة الرسمية يواجه عقبات فنية كبرى، منها غياب مستندات الطلاب الأساسية وفقدان الكوادر المختصة في "القياس والتقويم"، مما يجعل أي خطوة في هذا الاتجاه غير قابلة للاعتراف.
المفارقة المؤلمة: النفط مقابل التعليم
"إذا كانت الأطراف المتصارعة قد اتفقت على تفاهمات لتصدير النفط واستمرار تدفق الأموال رغم الحرب، فلماذا لا يتم الاتفاق على ميثاق تعليمي يحمي الشهادة السودانية؟"
— تساؤل من لجنة المعلمين
إن وحدة الشهادة السودانية ليست مجرد إجراء إداري، بل هي مرآة لسيادة الدولة ووحدتها منذ الاستقلال. إن المساس بها هو مساس بالوقود الحقيقي لنهوض الأمة السودانية وهم "الطلاب".
الخلاصة: هل تنجو الشهادة السودانية؟
يبقى التحدي الأكبر أمام السودانيين هو الحفاظ على "قومية التعليم". فبينما تباشر لجنة نيالا توزيع استمارات حصر الطلاب، تظل الأعين مصوبة نحو مخرجات الحلول السياسية والضغط الشعبي لضمان عدم تحول قاعات الامتحانات إلى "خنادق" جديدة للتقسيم.







